الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - 671هـ:

edit / 0022 سورة الحج / Surah Al-Hajj Ayat 36 (22:36) / Surah Al-Hajj Ayat 36 (22:36) Tafsir / الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - 671هـ: 

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - 671هـ: فيه عشر مسائل :
الأولى- قوله تعالى :  " والبُدْن "  وقرأ ابن أبي إسحاق  " والبُدُن "  لغتان ،   واحدتها بَدَنَة .   كما يقال : ثمرة وثُمُر وثُمْر ،   وخشبة وخشُب وخشْب .   وفي التنزيل  " وكان له ثمر " {[11521]}وقرئ  " ثمر "  لغتان .   وسميت بدنة لأنها تبدن ،   والبدانة السمن .   وقيل : إن هذا الاسم خاص بالإبل .   وقيل : البدن جمع  " بدن "  بفتح الباء والدال .   ويقال : بدن الرجل ( بضم الدال ) إذا سمن .   وبدن ( بتشديدها ) إذا كبر وأسن .   وفي الحديث ( إني قد بدنت ) أي كبرت وأسننت .   وروي ( بدنت ) وليس له معنى ؛ لأنه خلاف صفته صلى الله عليه وسلم ،   ومعناه كثرة اللحم .   يقال : بدن الرجل يبدُن بدنا وبدانة فهو بادن ؛ أي ضخم .  
الثانية-اختلف العلماء في البدن هل تطلق على غير الإبل من البقر أم لا ؟ فقال ابن مسعود وعطاء والشافعي : لا .   وقال مالك وأبو حنيفة : نعم .   وفائدة الخلاف فيمن نذر بدنة فلم يجد البدنة أو لم يقدر عليها وقدر على البقرة ،   فهل تجزيه أم لا ؟ فعلى مذهب الشافعي وعطاء لا تجزيه .   وعلى مذهب مالك تجزيه .   والصحيح ما ذهب إليه الشافعي وعطاء ؛ لقوله عليه السلام في الحديث الصحيح في يوم الجمعة : ( من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ) الحديث .   فتفريقه عليه السلام بين البقرة والبدنة يدل على أن البقرة لا يقال عليها بدنة ،   والله أعلم .   وأيضا قوله تعالى :  " فإذا وجبت جنوبها "  يدل على ذلك ،   فإن الوصف خاص بالإبل .   والبقر يضجع ويذبح كالغنم ،   على ما يأتي .   ودليلنا أن البدنة مأخوذة من البدانة وهو الضخامة ،   والضخامة توجد فيهما جميعا .   وأيضا فإن البقرة في التقرب إلى الله تعالى بإراقة الدم بمنزلة الإبل ،   حتى تجوز البقرة في الضحايا على سبعة كالإبل .   وهذا حجة لأبي حنيفة حيث وافقه الشافعي على ذلك ،   وليس ذلك في مذهبنا .   وحكى ابن شجرة أنه يقال في الغنم بدنة ،   وهو قول شاذ .   والبدن هي الإبل التي تهدى إلى الكعبة .   والهدي عام في الإبل والبقر والغنم .  
الثالثة-قوله تعالى :  " من شعائر الله "  نص في أنها بعض الشعائر .   وقوله :  " لكم فيها خير "  يريد به المنافع التي تقدم ذكرها .   والصواب عمومه في خير الدنيا والآخرة .  
الرابعة- " فاذكروا اسم الله عليها صواف "  أي انحروها على اسم الله .   و " صواف "  أي قد صفت قوائمها .   والإبل تنحر قياما معقولة .   وأصل هذا الوصف في الخيل ،   يقال : صفن الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاثة قوائم وثنى سنبك الرابعة ،   والسنبك طرف الحافر .   والبعير إذا أرادوا نحره تعقل إحدى يديه فيقوم على ثلاث قوائم .   وقرأ الحسن والأعرج ومجاهد وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعري  " صوافي "  أي خوالص لله عز وجل لا يشركون به في التسمية على نحرها أحدا .   وعن الحسن أيضا  " صواف "  بكسر الفاء وتنوينها مخففة ،   وهي بمعنى التي قبلها ،   لكن حذفت الياء تخفيفا على غير قياس و " صواف "  قراءة الجمهور بفتح الفاء وشدها ،   من صف يصف .   وواحد صواف صافة ،   وواحد صوافي صافية .   وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبو جعفر محمد بن علي  " صوافن "  بالنون جمع صافنة .   ولا يكون واحدها صافنا ؛ لأن فاعلا{[11522]} لا يجمع على فواعل إلا في حروف مختصة لا يقاس عليها ؛ وهي فارس وفوارس ،   وهالك وهوالك ،   وخالف وخوالف{[11523]} .   والصافنة هي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب .   ومنه قوله تعالى :  " الصافنات الجياد " {[11524]}[ ص : 31 ] .   وقال عمرو بن كلثوم :
تركنا الخيلَ عاكفةً عليه *** مقلدة أعنَّتَها صُفُونا
ويروي :
تظل جيادُه نَوْحًا عليه *** مقلدة أعنَّتها صفونا
وقال آخر :
ألِفَ الصُّفون فما يزال كأنه *** مما يقوم على الثلاث كسيرا
وقال أبو عمرو الجرمي : الصافن عرق في مقدم الرجل ،   فإذا ضرب على الفرس رفع رجله .   وقال الأعشى :
وكل كُمَيْت كجذع السَّحو *** ق يَرْنُو القِناء إذا ما صَفَنْ
الخامسة-قال ابن وهب : أخبرني ابن أبي ذئب أنه سأل ابن شهاب عن الصواف فقال : تقيدها ثم تصفها .   وقال لي مالك بن أنس مثله .   وكافة العلماء على استحباب ذلك ،   إلا أبا حنيفة والثوري فإنهما أجازا أن تنحر باركة وقياما .   وشذ عطاء فخالف واستحب نحرها باركة .   والصحيح ما عليه الجمهور ؛ لقوله تعالى :  " فإذا وجبت جنوبها "  معناه سقطت بعد نحرها ،   ومنه وجبت الشمس .   وفي صحيح مسلم عن زياد بن جبير أن ابن عمر أتى على رجل وهو ينحر بدنته باركة فقال : ابعثها قائمة مقيدة سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم .   وروى أبو داود عن أبي الزبير عن جابر ،   وأخبرني عبد الرحمن بن سابط أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها .  
السادسة-قال مالك : فإن ضعف إنسان أو تخوف أن تنفلت بدنته فلا أرى بأسا أن ينحرها معقولة .   والاختيار أن تنحر الإبل قائمة غير معقولة ،   إلا أن يتعذر ذلك فتعقل ولا تعرقب إلا أن يخاف أن يضعف عنها ولا يقوى عليها .   ونحرها باركة أفضل من أن تعرقب .   وكان ابن عمر يأخذ الحربة بيده في عنفوان أيده فينحرها في صدرها ويخرجها على سنامها ،   فلما أسن كان ينحرها باركة لضعفه ،   ويمسك معه الحربة رجل آخر ،   وآخر بخطامها .   وتضجع البقر والغنم .  
السابعة-ولا يجوز النحر قبل الفجر من يوم النحر بإجماع .   وكذلك الأضحية لا تجوز قبل الفجر .   فإذا طلع الفجر حل النحر بمنى ،   وليس عليهم انتظار نحر إمامهم ،   بخلاف الأضحية في سائر البلاد .   والمنحر منى لكل حاج ،   ومكة لكل معتمر .   ولو نحر الحاج بمكة والمعتمر بمنى لم يحرج واحد منهما ،   إن شاء الله تعالى .  
الثامنة-قوله تعالى :  " فإذا وجبت جنوبها "  يقال : وجبت الشمس إذا سقطت ،   ووجب الحائط إذا سقط .   قال قيس بن الخطيم :
أطاعت بنُو عوف أميرا نهاهم *** عن السِّلْم حتى كان أول واجبِ
وقال أوس بن حجر :
ألم تكسف الشمسُ والبدرُ والك *** واكبُ للجبل الواجب{[11525]}
فقوله تعالى :  " فإذا وجبت جنوبها "  يريد إذا سقطت على جنوبها ميتة .   كنى عن الموت بالسقوط على الجنب كما كنى عن النحر والذبح بقوله تعالى :  " فاذكروا اسم الله عليها "  والكنايات في أكثر المواضع أبلغ من التصريح .   قال الشاعر :
فتركتُه جَزَرَ السِّباع يَنُشْنَهُ *** ما بين قُلَّةِ رأسه والمِعصم{[11526]}
وقال عنترة :
وضربت قَرْنَيْ كبشِها فَتَجَدَّلاَ{[11527]}
أي سقط مقتولا إلى الجدالة ،   وهي الأرض ،   ومثله كثير .   والوجوب للجنب بعد النحر علامة نزف الدم وخروج الروح منها ،   وهو وقت الأكل ،   أي وقت قرب الأكل ؛ لأنها إنما تبتدأ بالسلخ وقطع شيء من الذبيحة ثم يطبخ .   ولا تسلخ حتى تبرد لأن ذلك من باب التعذيب ،   ولهذا قال عمر رضي الله عنه : لا تعجلوا الأنفس أن تزهق .  
التاسعة-قوله تعالى :  " فكلوا منها "  أمر معناه الندب .   وكل العلماء يستحب أن يأكل الإنسان من هدية وفيه أجر وامتثال ،   إذ كان أهل الجاهلية لا يأكلون من هديهم كما تقدم .   وقال أبو العباس بن شريح : الأكل والإطعام مستحبان ،   وله الاقتصار على أيهما شاء .   وقال الشافعي : الأكل مستحب والإطعام واجب ،   فإن أطعم جميعها أجزاه وإن أكل جميعها لم يجزه ،   وهذا فيما كان تطوعا ،   فأما واجبات الدماء فلا يجوز أن يأكل منها شيئا حسبما تقدم بيانه .   العاشرة- " وأطعموا القانع والمعتر "  قال مجاهد وإبراهيم والطبري : قوله  " وأطعموا "  أمر إباحة .   و " القانع "  السائل .   يقال : قنع الرجل يقنع قنوعا إذا سأل ،   بفتح النون في الماضي وكسرها في المستقبل{[11528]} ،   يقنع قناعة فهو قنع ،   إذا تعفف واستغنى ببلغته ولم يسأل ،   مثل حمد يحمد ،   قناعة وقنعا وقنعانا ،   قاله الخليل .   ومن الأول قول الشماخ :
لمَالُ المرءِ يصلحُه فيُغْنِي *** مفاقِرَه أعفُّ من القُنُوع
وقال ابن السكيت : من العرب من ذكر القنوع بمعنى القناعة ،   وهي الرضا والتعفف وترك المسألة .   وروي عن أبى رجاء أنه قرأ  " وأطعموا القَنِع "  ومعنى هذا مخالف للأول .   يقال : قنع الرجل فهو قنع إذا رضي .   وأما المعتر فهو الذي يطيف بك يطلب ما عندك ،   سائلا كان أو ساكنا .   وقال محمد بن كعب القرظي ومجاهد وإبراهيم والكلبي والحسن بن أبي الحسن : المعتر المعترض من غير سؤال .   قال زهير :
على مُكْثِرِيهم رزقُ من يَعْتَرِيهِم *** وعند المُقِلِّينَ السَّمَاحَةُ والبَذْلُ
وقال مالك : أحسن ما سمعت أن القانع الفقير ،   والمعتر الزائر .   وروي عن الحسن أنه قرأ  " والمعتري "  ومعناه كمعنى المعتر .   يقال : اعتره واعتراه وعره وعراه إذا تعرض لما عنده أو طلبه ،   ذكره النحاس .

as

as

Comments

Popular posts from this blog

Surah Al-Fatihah Ayat 1 (1:1)

TAHUN 2023

0001 سورة الفاتحة